سيد قطب

2392

في ظلال القرآن

وقصة ابتلاء أيوب من أروع قصص الابتلاء . والنصوص القرآنية تشير إلى مجملها دون تفصيل . وهي في هذا الموضع تعرض دعاء أيوب واستجابة اللّه للدعاء . لأن السياق سياق رحمة اللّه بأنبيائه ، ورعايته لهم في الابتلاء . سواء كان الابتلاء بتكذيب قومهم لهم وإيذائهم ، كما في قصص إبراهيم ولوط ونوح . أو بالنعمة في قصة داود وسليمان . أو بالضر كما في حال أيوب . . وأيوب هنا في دعائه لا يزيد على وصف حاله : « أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ » . . ووصف ربه بصفته : « وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » . ثم لا يدعو بتغيير حاله ، صبرا على بلائه ، ولا يقترح شيئا على ربه ، تأدبا معه وتوقيرا . فهو نموذج للعبد الصابر لا يضيق صدره بالبلاء ، ولا يتململ من الضر الذي تضرب به الأمثال في جميع الأعصار « 1 » . بل إنه ليتحرج أن يطلب إلى ربه رفع البلاء عنه ، فيدع الأمر كله إليه ، اطمئنانا إلى علمه بالحال وغناه عن السؤال . وفي اللحظة التي توجه فيها أيوب إلى ربه بهذه الثقة وبذلك الأدب كانت الاستجابة ، وكانت الرحمة ، وكانت نهاية الابتلاء : « فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ ، وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ » . . رفع عنه الضر في بدنه فإذا هو معافى صحيح . ورفع عنه الضر في أهله فعوضه عمن فقد منهم ، ورزقه مثلهم . وقيل هم أبناؤه فوهب اللّه له مثليهم . أو أنه وهب له أبناء وأحفادا . « رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا » فكل نعمة فهي رحمة من عند اللّه ومنة . « وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ » . تذكرهم باللّه وبلائه ، ورحمته في البلاء وبعد البلاء . وإن في بلاء أيوب لمثلا للبشرية كلها ؛ وإن في صبر أيوب لعبرة للبشرية كلها . وإنه لأفق للصبر والأدب وحسن العاقبة تتطلع إليه الأبصار . والإشارة « لِلْعابِدِينَ » بمناسبة البلاء إشارة لها مغزاها . فالعابدون معرضون للابتلاء والبلاء . وتلك تكاليف العبادة وتكاليف العقيدة وتكاليف الإيمان . والأمر جد لا لعب . والعقيدة أمانة لا تسلم إلا للأمناء القادرين عليها ، المستعدين لتكاليفها وليست كلمة تقولها الشفاه ، ولا دعوى يدعيها من يشاء . ولا بد من الصبر ليجتاز العابدون البلاء . . بعد ذلك يشير السياق مجرد إشارة إلى إسماعيل وإدريس وذي الكفل : « وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ . كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ . وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ » . . فهو عنصر الصبر كذلك يشير إليه في قصص هؤلاء الرسل . فأما إسماعيل فقد صبر على ابتلاء ربه له بالذبح فاستسلم للّه وقال : « يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ » . وأما إدريس فقد سبق إن زمانه مجهول وكذلك مكانه ، وإن هنالك قولا بأنه ، أوزوريس الذي عبده المصريون بعد موته ، وصاغوا حوله الأساطير . بوصف المعلم الأول للبشر ، الذي علمهم الزراعة والصناعة !

--> ( 1 ) تكثر الأقوال وتبالغ الروايات في الضر الذي مس أيوب . حتى تقول : إنه مرض مرضا منفرا تحاشاه الناس بسببه وطرحوه خارج المدينة . . وليس وراء هذا القول من سند والرسالة تتنافى مع المرض المنفر . والظاهر من نصوص القرآن أنه أصيب بالضر في أهله ونفسه . . وفي هذا كفاية للابتلاء .